هل اطمأن الصومال إلى قدرته الذاتية على هزيمة الإرهاب مع بدء انسحاب أميصوم؟

مقديشو-الصومال(بانا) -من المقرر أن يبدأ الإتحاد الإفريقي سحب قواته المعروفة بـ"أميصوم" من الصومال بشكل تدريجي وتسليم المسؤولية الأمنية للجيش الصومالي.

وكان ممثل رئيس مفوضية الإتحاد الإفريقي بالصومال"فرانسيسكو ماديرا" قد أوضح أن أول كتيبة من قوات الإتحاد الإفريقي ستنسحب من الصومال قبل نهاية عام 2017 الجاري، مشيرا، في مؤتمر صحفي عقده أمس الأول في مقديشو، إلى أن 1500 جندي على الأقل من قوات الإتحاد سيعودون إلى بلادهم.

وفي سياق متصل، شهدت بعض المحافظات الجنوبية في الصومال تحركات عسكرية إثيوبية في الآونة الأخيرة، وصفت بأنها تأتي في إطار الإستعدادات الجارية لبدء عملية انسحابها من البلاد، حسب ما أفادت بذلك إذاعة"شبيلي" الصومالية.

وكانت قوات الإتحاد الإفريقي لحفظ السلام في الصومال"أميصوم" قد أعلنت في الخامس من الشهر الجاري، عن قيامها بسلسلة تحركات عسكرية، بهدف ما وصفته "إعادة اصطفاف وتمركز الوحدات في مختلف قواعد العمليات الأمامية في جميع أنحاء الصومال".

تأتي عملية الإصطفاف هذه استعدادا لبدء الإنسحاب، بعد قرابة ثلاثة أسابيع من أسوإ التفجيرات الدموية التي شهدها الصومال، حيث أودت عملية إرهابية بالعاصمة الصومالية في الخامس عشر من أكتوبر 2017، إلى مقتل 358 شخصا،حسب ما أفادت بذلك  الحكومة الصومالية.

صحيح أن بعثة الإتحاد الإفريقي في الصومال المتكونة من 22 ألف جندي، تخضع لأجندة مجلس السلم والأمن التابع للإتحاد الإفريقي والذي وضع في يونيو 2016 جدولا زمنيا لانسحاب "أميصوم" من الصومال مع بداية العام 2018، ولكن هل كانت الظروف التي اتخذ فيها قرار البدء في الإنسحاب أفضل مما هي عليه الآن؟ ثم ألا يُخشى من فراغ أمني تستغله حركة الشباب التي تسعى منذ سنوات عديدة إلى تقويض حتى الموجود من مؤسسات الدولة للسيطرة على البلاد؟ وهل القوات الحكومية الفيدرالية الصومالية قادرة على إنهاء الوجود الإرهابي بمفردها؟

تساؤلات عديدة تُطرح في وضعٍ يشهد فيه الصومال مرحلة انتقالية نحو ترسيخ تجربة ديمقراطية ناشئة وُلدت من رحم معاناة مريرة وحرب أهلية مدمرة منذ سقوط نظام"سياد برّي" عام 1991، حيث تُرك الصومال منذ ذلك الوقت- في أغلب الأوقات- يواجه مصيره بمفرده وظل فريسة للقتل والتدمير والتشريد والقرصنة، بدون أن تبادر الدول الكبرى إلى مساعدته في الخروج من دوامة العنف والضياع، ربما لأن الصومال لايمتلك تلك الثروات التي تسيل لعاب الغرب!

في هذا المقام،تؤكد الحكومة الصومالية أنها قادرة على تعزيز الأمن ودحر حركة الشباب بعد انتهاء مهلة انسحاب القوات الإفريقية، وتعهد الرئيس الصومالي بالإندماج السريع لقوات الأمن الحكومية والفيدرالية في الحرب على حركة الشباب المسلحة التي اتهمها بتفجيرات منتصف الشهر الماضي.

يأتي هذا التأكيد على خلفية انتصارات ميدانية حققتها تلك القوات في عدة مناطق بالصومال ضد مقاتلي الحركة المرتبطة بتنظيم"القاعدة"وطردهم من الكثير من المعاقل التي كانوا يسيطرون عليها ويتحصنون داخلها، فضلا عن التصدع الكبير الذي هز صفوف التنظيم بفقد عدد من قيادات الصف الأول وانشقاق آخرين، ويفسر المراقبون تنفيذ العمليات الدموية باستهداف العاصمة تحديدا بكون الحركة تريد الإيهام بتواصل تماسكها وقدرتها على تنفيذ أجندتها حتى لاتذهب ريحها ويتشتت مقاتلوها.

وتجدر الإشارة هنا تحديدا إلى أن قوات بعثة الإتحاد الإفريقي في الصومال كانت عرضة هي الأخرى لهجمات عديدة من قبل مقاتلي حركة الشباب، ومن بينها الهجوم المسلح في 30 يونيو 2017 على قوات البعثة في" غاريوين" بمنطقة"شبيلي السفلى" مما  أدى إلى مقتل اثني عشر جنديا أوغنديا وإصابة سبعة بجروح، ومن الواضح أن استهداف قوات"أميصوم" مبرمج ضمن رؤية الحركة بالنظر إلى كون قوات"أميصوم" مثلت سدا قويا أمام توسع انتشار مقاتلي الحركة في البداية، وشكلت عنصرا فعالا في طردهم في مناطق حيوية بالصومال، كما جسدت عقبة أمام الإستفراد بالقوات الحكومية الصومالية في مراحل تكوينها الأولى عقب قيام أركان الدولة من جديد.

في هذه الأثناء، شهدت تطورات الأحداث في الصومال دخول عناصر جديدة في معادلة الحرب على الإرهاب في الصومال، في مقدمتها إعطاء الرئيس الأميركي" دونالد ترمب" في شهر مارس الماضي، تفويضا إضافيا للقيادة الأميركية في إفريقيا يشمل شن ضربات وغارات جوية في الصومال ضد متمردي حركة الشباب، وفق ما أعلن ذلك البنتاغون.

ونقلت الأنباء-حينها- عن مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية، قوله إن الجيش الأميركي بموجب الصلاحيات الجديدة الممنوحة إليه سيكون قادرا على شن قصف يتخذ طابعا هجوميا إلى حد أكبر.

وكانت القوات الأميركية قد نفذت خلال العام الماضي 2016، خمس عشرة غارة بطائرات من دون طيار ضد الحركة، مما أدى إلى مصرع  ما بين 223 و311 شخصاً، معظمهم من حركة الشباب، وفقا لإحصاءات مكتب صحافة الإستقصاء، وهو منظمة غير حكومية بريطانية تحصي غارات الطائرات الأميركية بدون طيار. كما أن تقارير عديدة أشارت إلى أن لدى الجيش الأميركي قوة من بضع مئات العسكريين على الأرض، تشارك في تقديم المشورة والتدريب للقوات الحكومية الصومالية والدعم اللوجستي.

أما العنصر الثاني ذو الأهمية الأمنية والقتالية أيضا، فيتمثل في افتتاح أكبر قاعدة عسكرية لتركيا خارج أراضيها،في جنوب العاصمة الصومالية، في الثلاثين من شهر سبتمبر2017 ، ومن بين مهامها تأهيل الجيش الصومالي، حيث تستقبل الدفعة الأولى 1500 جندي صومالي للمساهمة في مكافحة حركة الشباب، حسب ما أفاد بذلك رئيس الوزراء الصومالي"حسن علي خيري" في أثناء افتتاح القاعدة بحضور رئيس هيئة الأركان العامة التركي" خلوصي أكار"، وكانت تركيا قد أرسلت نحو 200 مدرب من جيشها وعددا من الآليات العسكرية إلى الصومال لتدريب أكثر من عشرة آلاف وخمسمائة جندي صومالي.

في خضم هذه التطورات، والإنتصارات الميدانية على قوى التطرف، يبدو الرئيس الصومالي"محمد عبد الله فرماجو" متفائلا اليوم أكثر من أي وقت مضى، بمستقبل تطهير بلاده من آفة الإرهاب وعدم الإستقرار، وقد بدا هذا التفاؤل مجددا،أمس الأربعاء 8 نوفمبر2017، في تهنئته القوات المسلحة الصومالية بانتصاراتها  ضد مليشيات الشباب، قائلا:"إن القوات المسلحة الوطنية نفذت عمليات عسكرية في الأيام الماضية حيث انتصرت على العدو الإرهابي في عدة مناطق بجنوب البلاد " مضيفا أن" العمليات الجارية ستحقق الهدف المنشود"، حسب ما أوردته وكالة الأنباء الصومالية.

وتأتي تصريحات الرئيس"فرماجو" في ظل زحف القوات المسلحة نحو مزيد من القرى القليلة التي لاتزال تسيطر عليها مليشيات الشباب بإقليمي شبيلي السفلى والوسطى.

لذلك، يبدو أن منسوب الإطمئنان لدى الحكومة الصومالية في حربها على الإرهاب، بدخول هذين العنصرين، لن يتأثر كثيرا ببدء السحب التدريجي لقوات بعثة الإتحاد الإفريقي، والمقرر له أن بنتهي عام 2020، وهي مدة زمنية لاشك في أن الأطراف المشتركة في الحرب على حركة الشباب، قد أخذتها بعين الإعتبار.

لكن من المؤكد أيضا أن لاشيء ثابت في السياسة الدولية المرتكزة أساسا على المصالح الأنانية، لا على القيم الإنسانية والأخلاقية، وتبقى على الدوام  احتمالات تقلب التحالفات قائمة وفق المصالح الإستراتيجية وأطماع هذه الدولة أو تلك.. وغاليا ما لا تتطابق حسابات الحقل مع حسابات البيدر.

-0- بانا/ي ي/ع د/09 نوفمبر2017

09 نوفمبر 2017 15:12:15


xhtml CSS