ماكرون يسوق للفرنكوفونية ويدعم حلفاء فرنسا الفرنكوفونيين بتونس

تونس العاصمة-تونس(بانا) -شهدت زيارة الرئيس الفرنسي"إيمانويل ماكرون" إلى تونس يومي 31 يناير والأول من فبراير2018، اهتماما كبيرا على المستوى الرسمي، وفي الأوساط السياسية، كما حظيت بتغطية إعلامية واسعة من قبل وسائل الإعلام التونسية.

وتباينت الآراء بخصوص أبعاد هذه الزيارة على رأس وفد كبير يتكون من وزراء الخارجية والتربية والإقتصاد والتعليم العالي، وبرلمانيين وجامعيين وممثلين لعدد من كبرى المجموعات الإقتصادية الفرنسية، إلى جانب ثلة من الشخصيات الثقافية والفنيّة ورجال الإعلام.

ففي حين وصفت أوساط مقربة من الرئاسة التونسية زيارة الرئيس الفرنسي بـ"المهمة" على المستوى الدبلوماسي و"بالتقليدية" على المستوى التنموي الذي تحتاجه تونس للخروج من دوامة أزمتها الإقتصادية، ذهبت آراء أخرى إلى الغوص في أبعادها الإستراتيجية بالنسبة للسياسة الفرنسية.

واعتبر الوزير الأسبق والناشط السياسي"الأزهر العكرمي" أن هدف الزيارة الرسمية أمني بامتياز، مشيرا إلى أن أولويات" ماكرون" هي إعادة الإنتشار في الشرق الأوسط وإفريقيا، وبخلفية أمنية بالأساس وليست إقتصادية.

ورجّح أن الهدف الأساسي من زيارته هو ترتيب الوضع في ليبيا ودول الساحل والصحراء في إفريقيا، حيث قال الرئيس الفرنسي إن بلاده  تسلمت في حقيقة الأمر الملف الليبي في إطار مناولة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وتابع أن فرنسا ستسعى من خلال الورقة الأمنية إلى إعادة ترتيب البيت في المنطقة من خلال حليفين أساسيين هما لبنان في الشرق الأوسط وتونس في إفريقيا، مشيرا إلى خطة فرنسية تتضمن إعادة بناء الجيش الليبي عن طريق مصر.
  
إلا أنه بالإستناد إلى كلمات الرئيس الفرنسي وتصريحاته بتونس، يمكن الإستناج بسهولة أن عين السياسة الخارجية الفرنسية مسلطة بالأساس على القارة الإفريقية التي تراجع فيها النفوذ الفرنسي في العقدين الماضيين، وسط تنامي الوجود الأمريكي والصيني بصفة اساسية، بينما ظل نفوذها متواضعا إزاء قضايا الشرق الأوسط الذي أصبح اللاعبون الأساسيون فيه كل من الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران.

وبقراءة في تصريحات الرئيس"ماكرون" يتبين إطنابه في توصيف الفرنكوفونية كمشروع بريد له أن يتجذر عميقا في الثقافة التونسية، وحرصه على إنعاش الفرنكوفونية والنفوذ الثقافي الفرنسي في القارة الإفريقية عبر محور تونس-دكار الذي ظهر إبان حكم الزعيمين"الحبيب بورقيبة" و"ليوبولد سيدار سنغور"،انطلاقا من مقولة إن التحكم في الأجساد يمر عبر التحكم في العقول والأرواح ، كما كان يروج دهاقنة الإستعمار، وإن كان هذا الإختراق قد أصبح يتخذ حاليا واجهة إقتصادية ومساعدات مالية وفنية.

لقد كان الرئيس" بورقيبة" متحمساً لمفهوم اللغة المشتركة الجامعة للشعوب الناطقة بها، فكان اقتراحه عام 1965 بإنشاء "كومنولث فرنسي يضم كل الشعوب التي تتكلم الفرنسية"، وكان يفتخر بأنه الأب الروحي للفرانوكفونية في المغرب العربي، لا يقل قيمة عن الرئيس السنغالي"سنغور" في إفريقيا جنوب الصحراء.

والملاحظ أن الرئيس الفرنسي لم يكن واضحا وصريحا وواثقا في تسويقه للفرنكوفونية مثلما فعل في أثناء زيارته إلى تونس، حيث أكد أن "تونس ستكون خلال سنتين، قاعدة جديدة لتعليم اللغة الفرنسية"، معتبرا أن"الفرنكوفونية ستساعد التونسيين والتونسيات على النجاح أكثر وستمكنهم من مزيد الوصول إلى أكبر عدد ممكن من دول أوروبا والشرق الأوسط".

وأضاف"ماكرون"، خلال ندوة صحفية بالمطار الرئاسي بالعاصمة التونسية،قبيل مغادرته البلاد، أن"الفرنكوفونية ليست مشروعا قديما، بل هي مشروع مستقبلي، على اعتبار أن اللغة الفرنسية تعد فرصة حقيقية،على المستويات اللغوية والإقتصادية والثقافية".

وأشار إلى أن بلاده كانت تعهدت بتعزيز الفرنكوفونية، معلنا عن افتتاح ستة معاهد فرنسية في تونس، خلال السنة الحالية 2018، وهو التزام "لا يستهان به يتطلب حشد وسائل فنية ومالية معتبرة"، حسب تعبيره.

وقال الرئيس الفرنس"إن بلده سيستثمر من جديد في اللغة الفرنسية، عبر مضاعفة عدد متعلمي هذه اللغة، خلال سنتين، أي إلى حدود تنظيم القمة الفرنكوفونية التي ستحتضنها تونس عام 2020".

وقد لا نجانب الحقيقة إذا قلنا إن هذه الرؤية تحمل في طياتها دعما واضحا لحلفاء فرنسا الفرنكوفونيين في تونس وللمجتمع المدني الحداثي في مواجهة"الإسلام السياسي"، وإن كان"ماكرون" لم يغفل الإشار  إلى أن تونس كذّبت بثورتها مقولة أن الإسلام لا يتعايش مع الديمقراطية، وهو بذلك يتحدث عن الإسلام لا عن الإسلاميين، الإسلام الذي لا يتعارض في جوهره مع مبادئ الديمقراطية ولا يقبل التعايش مع التنظيمات المتشددة أو الحركات الظلامية.

وتأكيدا على دعمه للتيار المدني الحداثي الذي يقوده الفرنكوفونيون بتونس، أشاد الرئيس الفرنسي بـدور المرأة التونسية، قائلا: إن"فضل المرأة التونسية على وطنها كبير، وكان يمكن للتحولات التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة أن تقود تونس إلى الظلامية، غير أن إرادة شعبها ومجتمعها المدني ونسائها هي التي جعلت البلاد تمضي قدما في مسار التطور والديمقراطية والمساواة"، مضيفا أن "مسؤولية فرنسا هي الوقوف إلى جانب تونس".

في المقابل، هناك العديد من التيارات في تونس، وبخاصة العروبية والإسلامية، ترى في منظمة الفرنكوفونية آلية"استعمارية" لمحافظة فرنسا على نفوذها ومصالحها بعد انسحابها عسكريا من مستعمراتها السابقة، ولكن يبدو أن مصلحة البلدان المنضوية تحت لواء الفرنكوفونية وحاجتها الإقتصادية والعلمية، جعلت تلك التيارات، أقل حدة في مواقفها تجاه هذه المنظمة ليتعامل الجميع معها كأمر واقع، وبرؤية براغماتية.

-0- بانا/ي ي/ع د/ 02 فبراير2018

02 february 2018 19:13:26




xhtml CSS