تحليل :إستفتاء جنوب السودان :ابيي - قضية صغيرة واحدة لم تحل بعد

الخرطوم-السودان (بانا) - رحبت بعثة الأمم المتحدة لدى السودان (يونميس) أمس الثلاثاء بالإتفاقية التي توصلت إليها القبائل المتنافسة في مثلث أبيي الغني بالنفط (منطقة في جنوب غرب السودان متنازع عليها بين الشمال والجنوب وأثارت مخاوف كثيرة من أنها قد تشعل حربا جديدة بين الطرفين).

وذكر بيان أصدرته المنظمة الدولية أمس الثلاثاء أن "بعثة (يونميس) ترحب بالإتفاقية التي تم التوصل إليها يوم 17 يناير الجاري في كادوقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان بين وفدي الحكومة السودانية  برئاسة وزير الداخلية إبراهيم محمد حامد وشوانغ الونغ وزير داخلية حكومة جنوب السودان ".

وأوضح البيان أن العناصر الرئيسية في الإتقافية تشمل عدة أمور من بينها توفير الأمن في أبيي ونشر المزيد من القوات العسكرية المندمجة المشتركة وتأكيد حرية ترحال رعاة المسيرية إلى ابيي وجنوبها وتوفير الأمن للنازحين العائدين إلى ديارهم في الجنوب من الشمال .

وتبلغ مساحة منظمة أبيي حوالي 10460 كيلومتر مربع وتسكنها حاليا قبيلتان هما قبيلة المسيرية العربية وقبيلة دينكا نقوك الإفريقية .وتدعي كل من القبيلتين  تبعية المنطقة للشمال أو الجنوب .

وتنص إتفاقية السلام الشامل التي تم توقيعها في عام 2005 ووضعت حدا للحرب الأهلية التي استمرت 22 عاما في أحد ملاحقها (أي مرفقاتها) على أنه يجب على سكان أبيي أن يصوتوا لتقرير  ما إذا كانوا يريدون أن يكونوا جزءا من جنوب السودان أم لا  .

ويمنح الملحق الذي يعرف بإسم "بروتوكول حل الصراع في منطقة أبيي" والذي وقعه طرفا إتفاقية السلام الشامل في مايو 2004 (ثم تم  بعد ذلك ضمه لإتفاقية السلام الشامل في مايو2005 ) وضعا إداريا خاصة لمنطقة أبيي .

وتخضع الإدارة الخاصة لمنطقة أبيي لرئاسة الجمهورية في الخرطوم . ويتبع  السكان الذين يقيمون في أبيي  لولايتي غرب كردفان التابعة للشمال وبحر الغزال التابعة للجنوب . ويكون لدى السكان ممثلين في الجمعيتين التشريعتين في الولايتين . ونص الحل أيضا على إجراء إستفتاء في أبيي بالتزامن مع إستفتاء جنوب السودان  لتقرير المصير في يناير 2011   .

وفي إستفتاء منفصل حول وضع أبيي يختار سكان أبيي بغض النظر عن نتائج إستفتاء جنوب السودان ما إذا كانوا يريدون وضع الإدارة الخاصة والبقاء جزءا من الشمال أو أن يكونوا جزءا من ولاية بحر الغزال في جنوب السودان .

ولكن فشل الجانبان- المؤتمر الوطني الحاكم في الشمال والحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب- في الإتفاق حول من هم سكان أبيي الذين يحق لهم  التصويت في الإستفتاء  ولذلك تم إستثناء المنطقة من الإستفتاء الذي أجرى في الفترة من 9 إلى 15 يناير الجاري في جنوب السودان .

وظلت المنطقة تثير الرمال المتحركة التي قد تجر أقدام الطرفين إلى حرب مريرة .

واشتبكت قبيلة المسيرية الرعوية  المقاتلة التي شكلت درعا  لصد أي تقدم لجنود الجيش الشعبي لتحرير السودان نحو الشمال في الحرب الأهلية التي استمرت 22 عاما مع  قبيلة دينكا نقوك التي قدمت أفضل الجنود والقادة لجيش تحرير السودان القوي في الجنوب عدة مرات بشأن هذه المنطقة الصغيرة حيث أسفرت الإشتباكات التي دارت  في الأسابيع القليلة الماضية عن مقتل أكثر من 30 شخصا وجرح العشرات من الجانبين .

ولقي أكثر من 20 شخصا مصرعهم العام الماضي في الإشتباكات التي دارت بين القبيلتين وتجري حاليا معارك سياسية عنيفة بين السياسيين من الجانبين .

ويبذل حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الخرطوم قصارى جهده لتجنب فقدان مؤيديه من قبيلة المسيرية بينما تعمل الحركة الشعببية لتحرير السودان كل ما في وسعها لتجنب النظر إليها بأنها ضعيفة في مسالة أبيي وإثارة غضب قادة المنطقة  في داخل الحركة . ولا يريد أي من الطرفين أن يفقد المنطقة من الناحية السياسية .

وقالت بعثة (يونميس) "إنها تشيد بالطرفين لجهودهما المستمرة لحل خلافاتهما عبر الحوار السلمي والبناء . وحثت جميع الأطراف المعنية  لتنفيذ الترتيبات الأمنية التي تم الإتفاق عليها في كادوقلي بدون المزيد من التأخير . وأعربت عن إستعدادها لتوفير كل الدعم اللازم ".

ويشتكي دينكا نقوك الذين هربوا إلى الشمال خلال الحرب الأهلية التي استمرت أكثر من عقدين والذين يحاولون الآن التحرك إلى ديارهم -من المضايقة ونهب ممتلكاتهم وفي بعض الأحيان يتم إحتجازهم لأيام داخل الشاحنات التي تنقلهم في إطار رحلتهم من الشمال إلى ديارهم .

ويحتاج  المسيرية الذين يملكون أكثر من خمسة ملايين رأس من الأبقار بجانب الحيوانات الأخرى  التحرك إلى المراعي في جنوب السودان خلال فترة الجفاف للمحافظة على ثروتهم الحيوانية على قيد الحياة ثم يعودون  خلال موسم الأمطار إلى الشمال تجنبا لذبابة التسي تسي .

ويتعرض المسيرية خلال هذه الرحلات في بعض الأحيان لهجمات  ومضايقات من جانب الدينكا. وأصبحت هذه الهجمات الإنتقامية المتبادلة مستمرة  منذ عقود في إطار السودان الموحد.

وقال مراقبو  المنظمات الدولية المختلفة -العربية والأوروبية والإفريقية فضلا عن  الأمم المتحدة-  إنه بالرغم من أن الإستفتاء جرى بصورة سلسلة ويتماشى مع المعايير المعمول بها إلا أن قضية أبيي تظل القضية الشائكة التي تفسد فرحة الإستفتاء السلس .

وأعرب مراقبو الإتحاد الإفريقي عن أسفهم بشأن حوادث العنف والوفيات التي حدثت بالقرب من حدود الشمال والجنوب والتي لقي فيها 30 شخصا على الأقل مصرعهم في منطقة أبيي المتنازع عليها .

ودعا مركز كارتر الذي أعرب عن قلقه حول إمكانية تفجر أعمال العنف  في تقريره حول الإستفتاء -حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان إلى "الدخول في حوار فورا لحل قضايا ما بعد الإستفتاء العالقة بأسرع فرصة ممكنة (قبل نهاية إتفاقية السلام ) وخاصة تلك المتعلقة بأبيي والمواطنة ".

ووضعت الإتفاقية الحالية (بالرغم من التنافس على النفط أو الأرض ) حدا لإمكانية نشوب الإشتباكات التي تجري في البلاد في حرب طويلة الأمد عندما أمرت الحركة الشعبية لتحرير السودان بسحب حوالي 300 جندي من مقاتليها إلى خارج  المنطقة  وكذلك  أمرت في نفس الوقت  المسيرية بالإنسحاب إلى مسافة مشابهة .

ويأمل الجنوبيون الذين خرجوا مؤخرا من معركة صناديق الإقتراع والذين تبدو عليهم علامة الإرتياح ويحتاجون للوقت للإحتفال بنتيجة الإستفتاء في أن يتم حل المسألة عبر الوسائل السياسية .

ويراهن السودانيون الذين ما يزالون يحلمون  بعد الإنفصال  في أن يعيد الشمال والجنوب النظر في طلاقهما على أنه يمكن أن تكون  منطقة أبيي نموذجا وبوتقة للتعايش السلمي أو يمكن أن تكون كشمير السودان .

-0- بانا/ م ع /ز أ/ع د /19 يناير 2011










19 يناير 2011 12:16:40




xhtml CSS