النضال ضد العنصرية : من جنيف الى ديربان

داكار - السنغال (بانا) -- على الرغم من قدم العنصرية والتمييز العنصري بمختلف اشكاله منذ الوجود الانساني في العالم -الذي خاض حربين عالميتين و شهد حربا باردة طويلة و تعرض لجرائم بشعة مثل العبودية والتمييز العنصري- الا ان الامم المتحدة نظمت اول مؤتمر لمكافحة .
العنصرية عام 1978 في جنيف و اعقبه اجتماع آخر عام 1983 و ها هو العالم يستعد لاجتماع ثالث يعقد هذه المرة بمدينة ديربان جنوب إفريقيا .
التي شهدت التمييز العنصري في السابق و يعد اختيار المكان و الزمان للمؤتمر القادم اكثر .
ملائمة و ربما يكون اختيار عنوان مؤتمر ديربان الطويل يهدف لاحداث تاثير اكبر حيث يجئ تحت عنوان : المؤتمر العالمي لمكافحة العنصرية و التمييز العنصري و كره الاجانب و عدم .
التسامح و مما لا شك فيه ان عدم التسامح -سواء كان مرتبطا بالعقيدة او الدين او السلالة او الجنس او الانتماءات .
العرقية- يعد موضوعا انفعاليا و مصدرا كامنا للصراعات فقد تفرق شمل أسر بينما خاضت بعض الدول حروبا بسبب .
عدم التسامح و ظلت ادارته تمثل مشكلة لدرجة ان بعض الدول قاطعت المؤتمرين العالميين الاخيرين حول العنصرية او رفضت تطبيق .
توصياتهما و ها هو الامر يتكرر مرة اخرى فقد شهد التحضير لمؤتمر ديربان العالمي -31 أغسطس الى 7 سبتمبر- مناقشات مكثفة و اختلافات حادة وسط تهديدات بمقاطعته بسبب المواضيع التي .
ستدرج في جدول اعماله و من الناحية التاريخية فان الامم المتحدة -التي خلفت عصبة الامم عام 1946- تعد في حد ذاتها طفلا في مراحله الاولى .
في ظل البحث العالمي عن السلام عقب الحرب العالمية الثانية و يسعى ميثاق الامم المتحدة القائم على "مبادئ الكرامة و المساواة بين جميع الاجناس البشرية" و بدافع من الرغبة في تحقيق السلام العالمي يسعى لتحقيق تعاون عالمي لحل المشاكل العالمية سواء أكانت اقتصادية او اجتماعية او ثقافية او .
ذات طابع انساني كما يسعى لدفع و تشجيع احترام حقوق الانسان و الحريات الاساسية للجميع دون تمييز او تفريق في الجنس او العرق او .
اللغة او الدين و على الرغم من نبل و سمو هذه الاهداف الا ان حركة العالم المتغير جعلت من الضروري اجراء تقييم منتظم دوري و عليه برزت الحاجة الى اقامة مؤتمرات مثل مؤتمر مكافحة .
العنصرية و التمييز العنصري و قبل تنظيم الامم المتحدة لاول مؤتمر ضد العنصرية عام 1978 اعلنت الجمعية العامة للامم المتحدة الفترة من 10 ديسمبر 1973 و لمدة عشر سنوات عقدا "للعمل من اجل مكافحة العنصرية و التمييز العنصري".
0 و خصص ذلك العقد لمحاربة التمييز ايا كان نوعه مثل التمييز بسبب العرق او اللون او الاصل او الجنسية و استئصال .
التحامل العرقي و تم تبني توصيات للحد من توسع السياسات العنصرية و ازالة السياسات العنصرية القائمة و الحد من انبثاق .
تحالفات قائمة على مناصرة العنصرية و التمييز العنصري و الاكثر اهمية من ذلك فقد كان العقد يهدف "لتعريف و عزل و تبديد المعتقدات و السياسات و الممارسات الخرافية و الوهمية التي تساهم في ممارسات العنصرية والتمييز العنصري".
0 و كان في هذا اشارة واضحة لاسوأ ممارسة عنصرية و نظرية الازدراء و الاحتقار التي عرفها العالم منذ القدم بان السود .
اقل شأنا من البيض و جاء في احدى اعلانات المؤتمر العالمي لمكافحة العنصرية عام 1978 "ان اي مذهب يعتقد افضلية عرق دون الاخر هو مذهب خاطئ علميا و مدان اخلاقيا و خطير و ظالم اجتماعيا و ليست له اية مبررات مهما كان الامر".
0 و كان الاعلان مدركا الى ان "النساء يتعرضن لتمييز مزدوج عندما يكون هنالك تمييز عنصري و عليه فلا بد من بذل جهود خاصة لتخفيف تاثير التمييز العنصري على وضع النساء و ضمان مشاركتهن مشاركة كاملة في الحياة السياسية و الاقتصادية بالمجتمعات التي تعد فيها النساء ضحايا التمييز العنصري".
0 و لم يغفل دور اجهزة الاعلام في التحدي العالمي ضد العنصرية و التمييز العنصري.
و شملت التوصيات تنظيم حملات لمحاربة العنصرية و التمييز العنصري عبر الصحافة و الاذاعتين .
المرئية والمسموعة و الملصقات و الكتيبات و لاسباب واضحة كان المؤتمران العالميان لعامي 1978 و 1983 واضحين في ادانتهما لنظام الاقلية البيضاء العنصري في جنوب إفريقيا مشيرين الى ان "الإضطهاد العنصري -الذي يعد اسوأ اونواع العنصرية- يعتبر جريمة ضد الانسانية و اهانة لكرامة النوع الانساني و تهديد للسلام و الامن في العالم".
0 و اوصى المؤتمران بعزل الانظمة العنصرية و فرض حظر من الامم المتحدة عليها و تطبيقه بصرامة من قبل جميع الدول لان المساعدات و التعاون في المجالات الاقتصادية و العسكرية اضافة .
لمجالات اخرى احدث عوائقا لتحرير الشعوب المقهورة كما اثيرت هموم اخرى و ذلك "بقيام بعض المنظمات النازية و الفاشية الجديدة بتصعيد نشاطاتها التي تشجع النزعات نحو العنصرية و التمييز العنصري".
0 و ادان مؤتمر عام 1978 "العلاقات الموجودة و المتنامية بين دولة اسرائيل الصهيونية و النظام العنصري بجنوب إفريقيا خاصة التعاون في المجالات الاقتصادية و العسكرية و عبر عن اسفه و حذر من التعاون بينهما في المجال النووي كما عبر عن اسفه خاصة لتوسيع تلك العلاقات و تكثيفها في الوقت الذي يبذل فيه المجتمع الدولي اقصى طاقاته للعمل على تطبيق عزل كامل ضد النظام العنصري بجنوب إفريقيا".
0 و اشار المؤتمر كذلك الى "الدعايات التحريضية و المغرضة التي تثيرها الحكومة الاسرائيلية و معاونوها الصهاينة و غيرهم ضد وكالات الامم المتحدة و ضد الحكومات التي تتبنى افعال حاسمة ضد النظام العنصري".
0 و تمشيا مع قرارات الامم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية اظهر المؤتمر تضامنه مع الشعب الفلسطيني و نضاله .
من اجل التحرير و محاربة التمييز العنصري و اكد المؤتمران على اعتبار جميع اشكال التمييز "انتهاكا لحقوق الانسان الاساسية و اعتبار السياسات الحكومية التي تقوم على نظرية العنصرية و الافضلية و الكره خطرا على العلاقات بين الشعوب و التعاون بين الامم و عليه اعتبارها خطرا على السلام و الامن العالميين".
0 و في الوقت الذي تعلن فيه الامم المتحدة نهاية حكم الاقلية البيضاء بجنوب إفريقيا عام 1994 ضمن انجازاتها الا ان هنالك الكثير الذي يجب القيام به في مكافحة مشكلة .
العنصرية و التمييز العنصري و عدم التسامح المتعلق بهما فالاحداث و المشاكل لا تزال عبر العالم بدء من .
الامريكتين الى اروروبا و افريقيا الا انه و بدلا من التركيز على الجهود المشتركة لمعالجة اسباب المشكلة فان اختيار مواضيع جدول الاعمال المتعلقة بعدم التسامح (الشر الذي يحاول المؤتمر معالجته) يهدد بتقويض تجمع .
ديربان ففي الوقت الذي يطالب فيه الافارقة بمناقشة قضية التعويض عن الاستعمار و العبودية تعارض فيه الولايات المتحدة .
و اوروبا على اثارتها كما تعترض الولايات المتحدة - و حليفتها اسرائيل- على مساواة الصهيونية بالعنصرية الامر الذي اقترحته بعض الدول .
العربية و ربما تحذو الهند حذو امريكا و اسرائيل و ترفض تضمين .
نقاش نظام الطوائف الاجتماعية في مؤتمر ديربان ان لهذه الدول الحق في عدم الموافقة الا ان التهديد بمقاطعة مؤتمر الامم المتحدة بسبب قضية تؤثر على كل دولة .
على حدة يقود التهديد بتقويض المؤتمر الى مدى ابعد مهما تكن الحجج المؤيدة او المعارضة التي اثيرت فان الاستعمار و العبودية تظل حقائق تاريخية و ان الاضرار التي .
تسببا فيها لا يمكن محوها و ان رفض مناقشتها او دفعها يشبه ما تقوم به النعامة .
و يقوم بتأجيل يوم الحساب و قد تكون الاسباب التي تقلق الولايات المتحدة و اوروبا مفهومة باعتبار انهما استفادتا فائدة كبيرة من العبودية .
و الاستعمار الا ان ما يقوم به العالم الذي يتشدق بالعدل و المساواة و يسمح بدفع تعويضات لليهود عن المحرقة و ينكر على الافارقة .
التعويض عن العبودية و الاستعمار يعد شكلا آخرا من التمييز فنفس الحجة تنطبق على الصهيونية و نظام الطوائف .
الاجتماعية و عليه فلا بد ان يكون واضحا للولايات المتحدة الامريكية -القوة الكبرى الوحيدة في العالم و التي يفترض ان تكون نموذجا يحتذى- انه ما لم يتم تصحيح خطأ وقع بحق بعض الشعوب فلن يعرف العالم السلام ابدا و ان كل الاحاديث .
حول السلام و الامن العالمي ستظل سرابا و توجد بعض المخاوف من عدم خروج مؤتمر ديربان بنتائج .
قوية في حالة تنفيذ تهديدات مقاطعة المؤتمر الا انه ليس على العالم توقع الكثير في حالة وضع جدول .
الاعمال بناءً على رغبات اولئك الذين يهددون بالمقاطعة كما ان بعض الدول التي تثير اعتراضات على جدول اعمال المؤتمر لن تثني بقية العالم عن اتخاذ اجراءات ملائمة ضد .
الشرور التي لا تزال تلحق الاذى بالجنس البشري و عقب كل ذلك ! اذا تمكنت بعض الدول مثل اسرائيل التي تجاهلت عقوبات الامم المتحدة ضد بريتوريا و واصلت تعاونها مع النظام العنصري من المضي قدما فان الغالبية السوداء بجنوب إفريقيا لا تزال خاضعة لقواعد الاقلية البيضاء .
العنصرية في الوقت الراهن

19 أغسطس 2001 20:44:00




xhtml CSS