العنصرية ضد السود في تونس.. موروث ثقافي أم نتاج نرجسية زائفة ؟

تونس العاصمة - تونس (بانا) - تعرض عدد من الطلبة الأفارقة المقيمين بتونس إلى اعتداءات بدنية ولفظية ووجهت إليهم عبارات عنصرية وذلك على أثر هزيمة المنتخب التونسي لكرة القدم في لقائه يوم السبت 31 يناير مع منتخب غينيا الإستوائية ضمن مباريات كأس إفريقيا.

وقد أحدثت هذه الممارسات العنصرية ردود فعل قوية من قبل العديد من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني. وأصدرت حركة" النهضة" التونسية بيانا استنكرت فيه بشدة العنف المادي واللفظي والخطاب العنصري الذي تعرض له ضيوف تونس من الطلبة الأفارقة.

واعتبرت ما حصل منافيا لقيم الإسلام وروحه الحضارية القائمة على المساواة والتسامح وتكريم بني آدم بقطع النظر عن أي اعتبار، ونبذ العنصرية التي سماها نبي الإسلام "جاهلية".

وذكرت الحركة أن تونس تؤكد اعتزازها واعتزاز كل التونسيين بالإنتماء الإفريقي لبلادهم باعتباره جزءً من هويتهم، مشددة على أن مستقبل تونس في إفريقيا.

مؤشر خطير بالفعل ومؤسف حقا أن تفجر مباراة كرة قدم، ما هو كامن في أعماق المجتمع التونسي من عنصرية ضد أناس قد لا تكون لهم أي علاقة بكرة القدم أو بما حدث في غينيا الإستوائية.  

وأنت تبحث في بطون الكتب التاريخية عن جذور العنصرية تجاه السود وكره الأجانب يضنيك البحث بدون أن تقف على أحداث كبرى تبرر مثل هذه" الثقافة" المنافية لكل تعاليم الدين والقيم الإنسانية.

تتصفح أحداث التاريخ فتجد أن هناك خيوطا تؤشر إلى أن مؤذن الرسول العربي "محمد" كان من أصل حبشي، وأن المسلمين الأوائل حين اشتد بهم الكرب واضطُهدوا في مكة أمرهم النبي" محمد" بالتوجه إلى إفريقيا وتحديدا" الحبشة" حيث وجدوا عند" النجاشي" وشعبه الأمن والأمان.

وحتى ثورة "الزنج" في أواسط القرن التاسع الميلادي والتي اجتاحت جنوب العراق كان كبار قادتها من العرب وشارك فيها الزنج والعرب الضعفاء وعشائرعربية ثائرة على الظلم الذي جسدته سيطرةُ العسكر الأتراك وقادتِهم على مفاصل الدولة في عهد " المتوكّل" العباسي، والذين استأثروا بمقدرات الناس واستبدوا بسلطان الخلافة، وقاموا بقمع تلك الثورة بكل وحشية.

ويبدو أن مجيء الأتراك إلى الوطن العربي تحت راية الإمبراطورية العثمانية قد جلب معه ذلك المخزون من الحقد على أصحاب البشرة السوداء.

لكن برغم ذلك لا يخلو الموروث الأدبي العربي من إشارات عديدة تصف الأسود ب"العبد" وبالدونية، بدءً ب"عنترة العبسي" الشاعر الجاهلي، مرورا ب"بلال" الحبشي، وصولا إلى حاكم مصر"كافور الإخشيدي" الذي كال له الشاعر المتنبي أقسى العبارات والنعوت.

وقد يكون هذا الموروث نما بصفة خاصة في فتراتٍ مارس فيها بعض التجار العرب تجارة الرقيق بشكل بسيط في البداية إلى أن طغت عليها تجارة الرق عبر الأطلسي، وتصاعدت الكتابات والترويجات الأوروبية العنصرية الحاقدة على السود ، ثم غذتها الحقبة الإستعمارية بشكل كبير.

وإذا وضعنا تونس على المحك كجزء من هذه المنطقة ، فمن الصعب العثور على تاريخ محدد لبروز  ظاهرة العنصرية واحتقار بعض الأعراق، وهنا لايمكن الحديث أصلا عن "عنصر تونسي خالص" حتى تُبرَّر الممارسات العنصرية ضد الآخرين،فمنذ عصور بعيدة وقبل تكوّن الدولة بمفهومها العصري ظلت "تونس" محط خليط من الأقوام والثقافات من القرطاجنيين والرومان والبربر والبيزنطيين والعرب  والأفارقة من جنوب الصحراء والأتراك والمالطيين والأندلسيين واليهود والأوروبيين.

وبرغم هذا التنوع الذي لايسمح - نظريا على الأقل - بتنامي هذه الظاهرة، إلا أن الواقع يشير إلى أن ذوي البشرة السوداء عاشوا على هامش المجتمع التونسي، ولم يطرأ تغيير كبيرعلى صورة السود وأوضاعهم منذ إلغاء العبودية في تونس عام 1846 في زمن حكم "أحمد باشا باي"، ولكن لم يُستتبع هذا الإنجاز الكبير بثورة على العلاقات المجتمعية والثقافة الموروثة إلى غاية حصول تونس على الإستقلال عام 1956 لتجد البلاد نفسها تحت حكم شخصيات تشبعت بالثقافة الفرنسية وموروثها العنصري تجاه الأفارقة.

وبرغم محاولات الرئيس" بورقيبة" الخجولة الإنفتاحَ على إفريقيا في أثناء مؤتمر تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963 وزيارته التاريخية عددا من بلدان غرب إفريقيا،إلا أن هذه الطفرة سرعان ما خبت  ليؤم وجهه شطر الشمال، ويتجه بالدولة التونسية برمتها ثقافيا واقتصاديا إلى أوروبا لتعطي تونس بظهرها للقارة السمراء بترسيخ سياسة الإنتماء المتوسطي في الوقت الذي كان جمال عبد الناصر يضع العمل الإفريقي في الدائرة الثانية من اهتمامات السياسة الخارجية المصرية حتى قبل الدائرة الإسلامية ذاتها.

في تونس استمر تهميش السود سياسيا، وحتى في المجالات الإقتصادية والإجتماعية والإعلامية ظلوا شبه مبعَدين وخاضعين للتمييز الذي يعشش في عقلية قسم كبير من الفرنكوفونيين وممارساتهم سواء باحتقارهم أوالإعتداء اللفظي أوالإستبعاد الإداري.

لقد حارب "بورقيبة" القبَليّة و"العروشية" وحررالمرأة، وضمن مجانية التعليم، وساهم في تبديد الكثير من الموروثات الثقافية والعادات البالية، لكنه لم يلتفت وكذلك خَلَفُه من بعده" زين العابدين بن علي" إلى جزء مهم من الشعب التونسي وهم السود أوأصحاب البشرة السوداء، ولم يُعر أي اهتمام لطبيعة العنصرية والنظرة الدونية تجاههم، ولم يغيّر المناهج التربوية التي باتت خالية من ذكر إفريقيا أو التاريخ الإفريقي وانتماء تونس إلى هذه القارة العظيمة بالفعل، وظل الإعلام التونسي متناغما مع هذه السياسة غير البريئة على الإطلاق، مما خلق أجيالا منبتّة عن انتمائها وعمقها الإفريقي،في الوقت الذي يحتل فيه تاريخ فرنسا و"حضارة المستعمِر" الصدارة في تلك المناهج مع ما ينضح في ثناياها من مرتكزات عنصرية خاصةً في كتابات العديد من فلاسفة التنويرالأوروبي، الذين روجوا لفلسفة مفادها أن الحياة صراع أجناس" متحضرة" ضد أجناس" متخلفة" ولم يستوعبوا الطبيعة التعددية للحضارة البشرية.

ألم يبالغ"ديفيد هيوم" على سبيل المثال لا الحصر في إقصائه للأعراق غيرالأوروبية بقوله: " أنا لا أشك أبدًا في أن الزنوج وجميع أنواع البشر هم بالطبيعة في مستوى أدنى من الإنسان الأبيض"؟!

قد يكون كثير من التونسيين ورثوا عن " المتنبي" والمؤرخ " ابن خلدون" والفلاسفة الأوروبيين تلك الصورة الدونية التحقيرية للسود، بدون أن يغربلوا ذلك الموروث .

وفي الشارع التونسي اليوم، كما في البيوت، لاتزال مفردات العنصرية متداولة في نعت ذوي البشرة السوداء ب"وصيف" و"عبد" و"كحلوش" (كلمة مشتقة من"أكحل" أي أسود). وحتى الكتّاب والمثقفون اليساريون الذين طالما تغنوا بالأممية تخلو أدبياتهم من تناول هذه الظاهرة ولم يتصدوا لها في برامجهم الحزبية والثقافية.  

عشرات الآلاف من السود، الذين يشكّلون قرابة 12% من مجموع السكان في تونس، يُنظر إليهم  بازدراء .. فهل هومجتمع مصاب بمرض تضخم"الأنا" ونرجسية زائفة؟ أم أن ثقافة المستعمِر بكل مرتكزاتها التمييزية قد غزت عقول البعض وفعلت فعلها لتشكل في اللاوعي لدى الكثيرين دافعا لسلوك منافٍ لجوهر القيم الدينية والإنسانية؟

يصاب الكثير من المثقفين" الأممين" بالفعل بنوع من الإشمئزاز والسخط حين تتناهى إلى مسامعهم من حين إلى آخر قصص عن سلوكيات مشينة، على غرار ما جاء في رسالة الطالبة الإفريقية" مريم توري" أو حديث الطالبة التونسية " نزيهة العوني" التي شكت بألم وحسرة الإنحدار الأخلاقي لدى بعض الشباب الذين غالبا ما يرمونها بعبارات ساخرة من لون بشرتها وهي تستقل المترو أوالحافلة في العاصمة التونسية.

كما تشير بعض الوقائع إلى أوجه عديدة من العنصرية البغيضة،حيث لاتزال العقلية السائدة في المجتمع ترفض الزيجات المختلطة وخاصّة منها زواج الأبيض من سوداء..مجتمع يرى أيضا أنّ الأسود غير جدير بالمرأة البيضاء.

وأمام هذا القصور والتقصير بادر عديد الشخصيات التقدمية المستقلة ومنظمات حقوق الإنسان بتنظيم مسيرة انطلقت من جزيرة "جربة" في الثامن عشر من مارس الماضي أطلق عليها "مسيرة المساواة ومناهضة العنصرية ضد السود في تونس"لتتحول إلى مدينة " قابس"يوم 19 مارس ومدينة"صفاقس" يوم العشرين من نفس الشهر وانتهاء بالعاصمة التونسية يوم 21 من نفس الشهرالمتزامن مع اليوم العالمي لمناهضة العنصرية.

ودعت المسيرة مكونات المجتمع المدني التي تشترك في الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات إلى مقاومة ظاهرة العنصرية في تونس بدءً بردع الخطاب والتصرفات العنصرية في الفضاء العمومي وخاصة في الفضاء الإعلامي والتربوي.

من جانبها دعت الجمعية التونسية لمساندة الأقليات بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة التمييز العنصريّ إلى تطوير المجتمع وتنويره فكريا في اتجاه نبذ أشكال التمييز والميزالعنصري سواء بسبب العرق أو اللون أو الجنسية أو المعتقد الديني والفكري.

ويصف مدير المرصد الوطني للشباب والأستاذ في علم الاجتماع" محمد الجويلي" واقع التهميش والإساءة لأصحاب البشرة السوداء في تونس بكونه "جرحا يجب عدم السماح له بالتفاقم".

قد تكون هذه مقدمة ضرورية لفهمٍ الواقع التونسي، تقودنا في ورقة قادمة إلى الحديث عن معاناة الطلبة الأفارقة والجاليات الإفريقية من ظاهرة العنصرية وكره الأجانب برغم تجريمها في القوانين الدولية وتعارضها أصلا مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وبقية المواثيق الموقع عليها من قبل الدول المنضوية تحت راية  منظمة الأمم المتحدة ومن بينها الدولة التونسية.

-0- با نا/ي ي/ع د/ 07 فبراير 2015

07 février 2015 15:22:17




xhtml CSS