الصحف التونسية: المنابر السياسية والسقوط في خندق الإفلاس

تونس العاصمة-تونس(بانا) -واصلت الصحف التونسية طيلة أيام الأسبوع الحالي في افتتاحياتها متابعتها لأهم الملفات الساخنة السياسية والإقتصادية والإجتماعية على المستوى المحلي، مبرزة تراكم المشاكل التي لم تجد بعدُ طريقا إلى الحلحلة باتجاه أوضاع أفضل، برغم مساعي الحكومة الحالية لإيجاد بوادر خروج من الأزمة الإقتصادية بشكل خاص.
  
وتحت عنوان"خطوة أولى نحو الغفران العظيم"، علقت جريدة"الصحافة" على ختم رئيس الدولة "الباجي قائد السبسي" قانون المصالحة الإدارية بالقول: مازال العالم يعتبر" نيلسون مانديلا" الخارج من سجن العقود إلى عالم الحرية أيقونةَ "الغفران العظيم"، ذلك الذي حوّل جنوب إفريقيا من ساحة حرب أهلية، إلى فضاء تقدّم إقتصادي وإجتماعي.

واعتبرت الجريدة أن انهاء معاناة عدد من كوادر الدولة الذين أجبروا على بعض التجاوزات بموجب ضغط ماكينة التعليمات، هو استحقاق يسمو بالحالة التونسية إلى مدار آخر، غير ذلك الذي أحيط بالأحقاد الدفينة وجرّ نخبة من أبناء الوطن إلى أروقة المحاكم وغياهب السّجون، نتيجة «انتشاءة ثورية طافحة» أمعنت أيضا في الخطإ وإساءة التقدير، بأن جَعلت «العدالة الإنتقامية» بديلا عن العدالة الإنتقالية.

وخلصت الجريدة إلى القول:أنت لا تستطيع أن تبني وطنا جديدا حين تسيجه بالضغائن القديمة، وهذا ما استوعبه"مانديلا" لحظة أعلن عن صفحة جديدة في تاريخ جنوب إفريقيا، وهذا ما جعله في التمثلات الذهنية لشعبه وباقي شعوب العالم رمزا للزعيم الحكيم والسياسي الناجح.

وبرغم أن أغلب الصحف رحبت بمبادرة رئيس الدولة المتعلقة بالمصالحة الإدارية والتي يحاول من ورائها دفع الأوضاع باتجاه السلم الإجتماعية وبناء المزيد من الثقة بين التونسيين، إلا أن جريدة "الصريح" ترى أن كل طرف من الأطراف الأخرى في المقابل، ظل يتغنى برغباته وطموحاته وحساباته وأجنداته دون إدراك لتداعي السقف الذي قد يسقط على رؤوس الجميع، في ظل الأزمات التي تفاقمت في البلاد بشكل خطير، والخيبات التي تراكمت على ايقاع مكثف وسريع، وبدأت رياح الغضب تنفخ وتنذر بانفجار الأوضاع.

وفي ذات السياق،اعتبرت جريدة"الصريح"أن المنابر السياسية في المؤسسات الرسمية كمجلس نواب الشعب والهيئات الدستورية أو في وسائل الإعلام وما تضمنته من تجاوزات ومزايدات وشعبويات وتصفية حسابات شخصية واستهتار بأبسط قواعد الحوار، أبرزت مدى عمق واتساع الهوة التي تفصلنا عن قيم ومبادئ الديمقراطية التي نتشدق بها وندعي الإلتزام بتطبيقها، مشيرة إلى أن الكثير من النواب والمسؤولين السياسيين سقطوا في خندق الإفلاس السياسي المريع، وفق تقدير الجريدة.

ونقلت صحيفة"البيان"عن بعض الخبراء الإقتصاديين إجماعهم على أن ميزانية 2018 تحمل مختلف مؤشرات أزمة قادمة ستعمق حالة الإحتقان الإجتماعي وستربك مختلف المحطات الإنتخابية والسياسية المقبلة باعتبارها ستخلق وضعا إقتصاديا صعبا للغاية تحتكم فيه الدولة إلى سياسة فرض الأداءات لتعزيز الخزينة العامة للبلاد دون خلق استثمارات وآليات تنمية إقتصادية قادرة على خلق الثروة.

ويرى هؤلاء الخبراء -حسب الصحيفة- أن قانون المالية الحالي يراهن على الأداءات التي تحولت إلى داء إقتصادي،محذرين من إعادة إنتاج أزمة الثمانينات (1986).

كما تطرقت إلى تداعيات هذه الميزانية،صحيفة"المغرب"التي قالت: في كل سنة تقدم لنا الحكومة القائمة ميزانية السنة المقبلة كمدخل ضروري لبداية الإصلاح، وفي كل سنة يتبين أننا أخطانا المرمى وأننا فاقمنا الإنفاق العمومي ومعه كذلك التداين العمومي، وأن ميزانية الدولة أضحت عبئا ثقيلا على الآلة الإنتاجية للبلاد وعلى المجتمع بأسره.

وخلصت إلى التأكيد على أننا اقتربنا كثيرا من مناطق الخطر المحدق بحكم تفاقم التداين الخارجي، لذلك دعت إلى عودة وعي جماعية وهبّة قوية وانصراف كلي ومطلق للعمل والإنتاج حتى لا نفقد سيادتنا ونصبح دولة تحت الحكم الفعلي لصندوق النقد الدولي ولبقية المانحين.

أما صحيفة"الشروق" فقد توقفت عند أزمة أخرى تخص هذه المرة قطاع التعليم ، ملاحظة أنه لأول مرة في تونس تضطر مدارس ومعاهد إلى غلق أبوابها بسبب نقص المدرسين حيث يوجد مدارس في العاصمة وفي كل الولايات وآلاف التلاميذ دون مدرّسين في سابقة تحولت إلى فضيحة في تاريخ المدرسة التونسية العريقة. مضيفة أن كل ما يقال عن إصلاح التعليم في تونس تحول إلى كذبة كبيرة.

نفس الموضوع تناولته صحيفة"الصباح" بالتأكيد على أن تخلف مئات التلاميذ في"القيروان" و"سيدي بوزيد" و"عين دراهم" وغيرها، عن الإلتحاق برفاقهم في المدرسة بسبب انعدام الإطار التربوي أو عدم اكتمال الأشغال، يصح وصفه بأم الكوارث بل هو يرقى إلى مرتبة الجريمة في حق هذا الجيل في بلد راهن منذ فجر الإستقلال على التعليم والصحة للخروج من دائرة التخلف والجهل.

وتطرقت صحيفة"المساء"إلى ما وصفته بـ" الجريمة الخطيرة والمدمرة للمجتمع" المتمثلة في تحويل بعض التلفزات الخاصة إلى كازينوهات غير مرخص لها وأوكار للقمار والتحيل، يثري من ورائها المتحيلون بطريقة غير شرعية، واعتبرت الصحيفة أن مختلف الحكومات فشلت فشلا ذريعا في إحداث التنمية والحد من الفقر والبطالة والخصاصة، مما أدى تنمية"ثقافة" التواكل وتفكيك المجتمع.

وفي متابعتها لتطور الأوضاع إقليميا، تحدثت صحيفة"الصباح" عن المخاوف من تحول ليبيا إلى وجهة فلول"الدواعش"، بسبب الفوضى السائدة في جزء من هذا البلد، وبالنظر إلى حدوده الواسعة التي تربطه بسبع دول تجعل من الممكن لهذه العناصر أن تتسلل إلى الأرض الليبية بكل الطرق المتاحة، وهو ما يدعو دول الجوار الليبي وبينها تونس إلى استباق الأحداث لسحب البساط أمام مخططات هؤلاء.

واختتمت الصحيفة بالقول:الواضح أن مهمة "الدواعش" أشرفت على نهايتها، ولكن الأطراف التي اشتركت في صنع هذا الورم الإرهابي وتغذيته واتساع خطره لا يبدو حتى هذه المرحلة أنها تدرك ما ستكون عليه مرحلة ما بعد "داعش" واحتمالات استنساخه بثوب جديد.

أما صحيفة"المغرب" فقد أثارت موضوع التغطية الإعلامية للأحداث الإرهابية التي جدّت مؤخرا في الصومال، مشيرة إلى أنّ طريقة التعامل مع هذه الفاجعة الإنسانية-إن كان ذلك على المستوى المحليّ أو العالمي- قد اتّسمت بالتهميش والتعتيم إن لم نقل التقصير في الإهتمام بالحدث الإجرامي الذي تسبّب في قتل أكثر من 358 شخصا من المدنيين، وجرح 228 شخصا ،وفقدان 56 آخرين، وهذا من شأنه أن يجعل هذا الحدث يحتلّ الصدارة على مستوى التغطية في كافة وسائل الإعلام لأنّه حدث تجاوز كلّ التوقعات، ولكن لم يحدث ذلك.

وقالت: لا ريب أنّ طريقة التغطية لما يحدث في القارة الإفريقية تفضح نسق التمثلات السائد.. فالمواطن الغربي مواطن كامل الحقوق له امتيازات تجعله يحظى باهتمام دولته وغيرها من الدول حيّا أو ميّتا، وفي المقابل لا يزال العالم ينظر إلى الآخر الأسود والفقير والضعيف على أساس أنّه خارج "اللعبة السياسية" وخارج دائرة الإهتمام وخارج المشترك الإنساني. فالصوماليّ-وفق النظرة الغربية- موته لا يعني خسارة كبيرة تستدعي الحديث عنه ولا توصيف آلام الأهل وذعر الأطفال والنساء والرجال بعد حدوث الإنفجار الإرهابي.

وفي المقابل، تؤكد الصحيفة أنه عندما تحدث عمليّة إرهابية في الغرب يهتزّ العالم وتكثر أشكال التعبير عن التعاطف عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومن خلال المظاهرات وغيرها من الأنشطة المستنكرة لهذا العنف الهمجي.

وفي الختام،تساءلت يمرارة وسخرية:كيف يتجرأ الإرهابيون على تهديد أمن الغربيين البيض والمسالمين؟ ولكن عندما يدكّ الإرهاب البلدان الفقيرة فإنّ ذلك لا يعدّ حدثا استثنائيا أو فاجعة إنسانية!

-0- بانا/ي ي/ع د/29 أكتوبر2017

29 أكتوبر 2017 15:02:14




xhtml CSS