الصحف التونسية:محيط سياسي متلوث بخلط معيب بين المفاهيم

تونس العاصمة-تونس(بانا) -في رصدها المشهد السياسي العام بالبلاد، تحدثت الصحف التونسية عن الأزمات التي تحط بثقلها على هذا المشهد، وفي مقدمتها،أزمة الحكم وانفراط عقد وثيقة قرطاج، وسيطرة "الإخوان" على الحكم، وضعف الحزام السياسي لحكومة"الشاهد"، وبداية توتر العلاقات بينها وبين اتحاد الشغل، وغموض المآل الإنتخابي البلدي الذي تسيطر عليه حركة النهضة،إلى جانب أزمة اقتصادية ومالية وضخامة المديونية وسياسة التداين الفاشلة التي انتهجتها حكومة الشاهد، زائد ملفات الفساد العالقة وتسرب المال الفاسد إلى السياسة والإعلام وغموض مصادر تمويل الأحزاب السياسية، وانخرام المنظومة الإجتماعية وصناديقها.

وتأسيسا على ذلك، تستنتج "أننا أمام دولة فاشلة في مستوى اختياراتها الإقتصادية والتنموية، وهي أيضا دولة مستباحة"، حسب تعبيرها.

وتحدثت جريدة"الشروق" عما عرفته البلاد من سنوات عجاف أقبل فيها الجميع تقريبا على الجدل ونسوا العمل وتبارى التونسيون ساسة وأحزابا وناشطين وموظفين وعملا وعاطلين في اللهث وراء ما لا ينفع، وانخرطوا- كل من موقعه وحسب مستواه- في جدالات ومهاترات لا تنتهي مما أدى إلى غرق الإقتصاد وتهاوي كل مؤشراته، في حين مارست الأسعار رياضة القفز العالي ليدب اليأس والإحباط في النفوس ولتزداد أزمة البلاد تعقيدا.

وأبرزت أنه وسط هذا المشهد المتسم بفوضى الأحزاب وجدل السياسيين، انفلتت المطلبية وقابلها هبوط حاد في معدلات الإنتاج والإنتاجية وهو ما دفع البلاد أكثر في سكة المديونية لتوفير موارد كان بالإمكان توفيرها لو التزم الجميع بقيمة العمل وبقدرته على إعادة الدوران الطبيعي لعجلة الإقتصاد والتوازن المنشود للمؤشرات الإقتصادية.

وتوقف العديد من الصحف أمام حالات التطاول واستباحة هيبة الدولة، وهنا تقول جريدة"الصحافة" حتى الأحزاب التي استفادت كثيرا من مؤسسات دولة مدنية عريقة تقف على نفس المسافة من جميع التونسيين بقطع النظر عن خلفياتهم الفكرية وانتماءاتهم الحزبية، لم تستنكف هي الأخرى من انتهاج سياسة التغوّل الممنهج الذي لا يخدم سوى المصالح الحزبية الضيقة على حساب الدولة.

وأشارت إلى أن غالبية الأحزاب، ومنها حركة النهضة، ذات المرجعية الدينية الإخوانية، التي ما كان لها أن تزن وزنها في المشهد السياسي لولا غطاء مؤسسات الدولة، أخذ تغولها نسقا تصاعديا، وجب التصدي له من قبل كل القوى المؤمنة بدولة القانون والمؤسسات لا بدولة الأحزاب.

أما صحيفة"المغرب" فأوضحت أن هنالك نقاط تماس كثيرة بين بعض الإحتجاجات والتغول على الدولة، بل وفي حالات كثيرة يتحول احتجاج ما إلى حالة تغوّل واضحة لا لبس فيها، ولكن تغوّل بل تمرد بعض حاملي السلاح  من"النقابات الأمنية"- تضيف الصحيفة- مسألة تدعو إلى التفكير أكثر من غيرها، مشيرة إلى أنه يخطئ من يعتقد أننا أمام شبح عودة دولة البوليس ..إننا بصدد مشاهدة شبح أخطر من ذلك بكثير، هو ضعف متفاقم للدولة وبروز عهد حكم القبائل.

واعتبرت جريدة "الصحافة" أن المحيط السياسي قد تلوث منذ 2011 بخلط معيب بين المفاهيم، مبرزة أن كل شيء جاهز وجائز في "السوق الثورية"، وأن المغانم السياسية صارت أبسط ما يكون على أرض الإنتقال المسطح الهشّ، يطوع فيه "القادة" و"الساسة" الفضيلة كقيمة معيارية إلى صفقة تبادلية.

وفي ذات السياق، أكدت جريدة"الشروق"أن المتأمل في المنتوج الخطابي للنخب الحزبية في بلادنا اليوم، يلاحظ دون عناء الإنحطاطَ الخطير الذي آل إليه خطابها السياسي، حيث نجد أنفسنا أمام خطاب تحضر فيه كل مفردات التهريج السياسي، وتغيب عنه الملفات الحارقة التي تنهك القدرة الشرائية للمواطن التونسي، بينما تحولت الجلسات البرلمانية إلى حلبة تضج بالسباب والقذف والتجريح وتوظيف مفردات بذيئة تعكس طبيعة التكوين السياسي لسياسيينا وكأن الأمر يتعلق بصراع بين قبائل متخاصمة.

استحضار هذا الواقع دفع الجريدة إلى التساؤل: من المسؤول عن هذه الرداءة التي وصل إليها الخطاب السياسي في بلادنا؟ ومن المسؤول عن تحول أغلب الأحزاب السياسية إلى مقاولات تستثمر في مشروع الإنحطاط السياسي والأخلاقي ؟ وكيف تمكنت وجوه جشعة، من الوصول إلى قيادة أحزاب والحصول على موطئ قدم فاعل في عالم السلطة والثروة؟

وفي متابعتها للأوضاع المأساوية التي تعصف بالمنطقة الإسلامية من حروب وصراعات وتدمير وإرهاب، تساءلت صحيفة"الصباح": ترى لماذا المنطقة الإسلامية دون غيرها هي الرقعة الجغرافية الوحيدة في العالم التي تشهد بلدانها حروبا أهلية أو تكون قواعد لتنظيمات إرهابية؟ سؤال مطروح منذ سنوات طويلة بينما تتوه الإجابات في ثنايا نظرية المؤامرة وتحميل الأنظمة السابقة والحالية المسؤولية.

وتلقي الصحيفة باللائمة على حالة الخمول الفكري التي لا تختلف كثيرا عن فترة ما بعد توقف معين الفلسفة الإسلامية بعد"ابن رشد"، وهي حالة  مزرية لا يمكن أن يحجبها استعمال التكنولوجيات الرقمية والإنخراط في ما تدفع به دور الموضة الغربية إلى الأسواق..إنها حالة استكانة للآخر بقوته العسكرية وسطوته المالية وإشعاعه الثقافي في ظل غياب المقاومة الفكرية الذاتية والجماعية.

وتقر الجريدة بأن أجيالا عدة لم تفلح على أكثر من صعيد سواء فيما يتعلق ببناء الدولة الوطنية أو تكوين النخب، والأهم من ذلك تخاذل الطبقات السياسية المتعاقبة وضيق أفقها أنتجا أوضاعا متفاوتة من بلد إلى آخر لكن النتيجة واحدة: إما مستنقع الحرب الأهلية أو الغرق في المشاكل والأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

-0- بانا/ي ي/ع د/ 04 مارس 2018


04 Março 2018 13:16:10




xhtml CSS