الصحف التونسية:تهافت الساسة والإنتهازية المنمقة

تونس العاصمة-تونس(بانا) -خصصت الصحف التونسية حيزا واسعا من تعليقاتها على ذكرى أحداث 17 ديسمبر 2010 التي أدت إلى سقوط النظام في يناير عام 2011، والتي اعتبرها البعض"ثورة" في حين وصفها الكثير من القوى السياسية وعديد أساتذة الجامعات بـ"ثورة البرويطة"(عربة يدوية تستخدم في نقل الأغراض الصغيرة لعرضها للبيع، في إشارة إلى عربة"البوعزيزي" الذي أحرق نفسه عام 2011) ولا تعدو كونها مجرد انتفاضة بدون فكر أو قيادة، ركبتها قوى سياسية فيما بعد، وهناك من رأى فيها تنفيذا لمخطط "حروب الجيل الرابع" لزعزعة المنطقة العربية وإضعافها لصالح أجندة الولايات المتحدة وحليفتها"إسرائيل".

وتوقفت الصحف التونسية عند نتائج تلك الأحداث وتداعياتها فرسمت صورة قاتمة عن الأوضاع السياسية والإقتصادية والأمنية في تونس والمنطقة العربية عموما.

وفي تقييمها لما آلت إليه هذه الأوضاع، قالت جريدة"الشروق": سبع سنوات مرّت على دخول تونس تجربة سياسيّة ومجتمعية جديدة كان منطلقها ذهاب نظام الرئيس السابق"بن علي" ونهايتها اليوم خليط من ضبابية في الأداء وعجز عن نقل البلاد إلى آفاق مرجوّة ومنتظرة.

جاءت الحريّة ولكنّها حريّة فاسدة ملوّثة بالأحقاد والشيطنة المتبادلة والانغماس في الرذائل والصراعات الإيديولوجيّة العمياء والتكالب على المصالح والغنائم، ونمو غريب للوبيات الفساد المالي والإفساد الأخلاقي والقيمي.

وشهدنا على مدار السنوات الماضية-تضيف الجريدة- حريّة منفلتة عن أي قيد متحلّلة من كلّ ضابط، أدّت في ما أدّت إلى ترذيل التجربة السياسيّة الديمقراطية الجديدة وتعطيل مسار العدالة الإنتقالية وأحدثت أزمة مجتمعيّة صادمة بمظاهر غريبة عن واقعنا وطبيعة معيشنا الثقافي والحضاري والديني المألوف منذ عقود،كما أدّت نفس تلك الحريّة المغشوشة إلى هوس مرضي لدى جزء كبير من النخبة السياسيّة للمس من هيبة الدولة وضرب تماسكها وانسجام مختلف هياكلها.

وقالت جريدة"الصحافة" من جانبها: لقد أصبح البلد مفتوحا على الإستتباع الكامل لمنظومة الإقتصاد النيوليبرالي  في الغرب، وللتبعية السياسية العمياء لمحور"الاسلام السياسي" في الشرق الأوسط ممثلا في قطر وتركيا، وهو محور تابع بدوره لغرفة عمليات مركزية في الولايات المتحدة صاحبة المسودّة الأولى لمشروع توطين الإسلاميين في الحكم، وهما فضاءان طالما راهنا خلال السنوات الأخيرة على طمس القرار السيادي للبلاد بهدف إخضاعها للنهب والإبتزاز والتوظيف.

وفي خضم هذه الأوضاع، عبرت الصحف التونسية عن تخوفها من تعثر مسار تجربة الإنتقال الديمقراطي وذلك بسبب يأس المواطن واستقالته وهو ما تؤكده كل استطلاعات الرأي التي تشير إلى انصراف المواطن عن متابعة الشأن العام وفتور حماسه للإنتخابات.

واعتبرت جريدة"الصريح" أن كل الذي حدث ويحدث الآن مرده الدستور الذي كرس النظام البرلماني الذي لا تتحمله الأوضاع في بلادنا ، وهو الذي فشل في العراق ولبنان فشلا ذريعا ولكننا لم نستوعب الدرس، مشيرة إلى أن سلطة بثلاثة رؤوس أزّمت الأوضاع وأضرت بهيبة الدولة ومؤسساتها، بالإضافة إلى النظام الإنتخابي الأعرج ذي القائمات الموحدة والمنزلة تنزيلا والذي أنتج برلمانا يدعو أحيانا إلى الشفقة بسبب المستوى الهزيل جدا لبعض النواب الذين مروا في قائمات موحدة واختار بعضهم ممارسة " الترحال النيابي" المثخن بآفات الإنتهازية والإرتشاء والمصالح الإنتفاعية الوضيعة.

وتطرقت جريدة"الشروق" إلى محتوى الحلقات الحوارية في القنوات التلفزية التونسية قائلة إن المتأمل في تهافت الساسة على المنابر الإعلامية وتسابقهم على الظهور و"قصف"المشاهدين بصنوف من السفسطات والبهلوانيات، يصاب في نهاية المطاف بحالة من الغثيان والدوار بسبب الكلام الممجوج والنفاق الظاهر والإنتهازية المنمقة.

وبخصوص ملف الفساد في البلاد، نقلت جريدة"المصوّر" عن مصادر قانونية وصفتها بـ"الموثوقة" أن هناك تخوفات جدية من ضربة مؤلمة لتونس ستصدر عن الإتحاد الأوروبي بخصوص إتهامات صريحة للدولة التونسية حول"تبييض وغسيل الأموال على مستوى البنك المركزي للبلاد التونسية" وهي تهمة خطيرة جدا- تؤكد الجريدة- على آفاق الإقتصاد التونسي الذي يعاني أصلا من انهيار غير مسبوق في جميع أرقامه.

وفي تعليقها على موقف الإدارة الأمريكية من قضية مدينة"القدس" والدول المعارضة لقرار الرئيس الأمريكي"ترامب" نقل سفارة بلاده إلى المدينة واعتبارها"عاصمة لإسرائيل"، قالت جريدة"الصحافة" :على طريق جورج بوش الإبن وشعار من ليس معنا فهو ضدنا، اختارت  السفيرة الأمريكية لدى الامم المتحدة "نيكي هايلي" إذلال وإهانة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وتهديدها بحرمانها من المساعدات الأمريكية في حال صوتت هذه الدول  ضدالقرار المتعلق بالقدس.. وإذا كان الرئيس الأمريكي وعد بمنح ما لا يملك  إلى من لا يستحق فإن سفيرته تهدد بفضح من يخالف أوامر التصويت!

ووصفت الجريدة هذا الموقف بـ"عنوان غريب لدبلوماسية أمريكية تنتصر للجلاد وتستهين بالضحية وتجعل من العدالة الدولية أداة قابلة للتطويع ولمنطق المقايضة" يكشف عقلية إبتزازية لا تتوانى عن مقايضة الشعوب الضعيفة لكتم أصواتها ودفعها إلى إلغاء قناعاتها  وتقديم شهادة مزورة مقابل الحصول على المساعدات التي تحتاجها.

-0- بانا/ي ي/ع د/ 24 ديسمبر2017

24 ديسمبر 2017 00:25:35




xhtml CSS