الاتجار بالبشر : ماذا بعد الصدمة والدموع (تحليل)

طرابلس – ليبيا (بانا) - يرى الكثير من الليبيين الذين استطلعت بانابريس آراءهم في طرابلس أن الفيديو الذي بثته شبكة (سي أن أن) الأمريكية حول بيع المهاجرين في ليبيا بغض النظر عن الشكوك التي تحوم حول صحته بات يُعتبر من "المتفرقات" ويتعين اليوم البحث الجدي في ماذا يجب على الدول المعنية وهي دول المصدر ودول العبور ودول الاستقطاب تحديدا والمجتمع الدولي عموما، أن تفعله بعد إخراج مناديل مسح الدموع الورقية، ومشاعر الصدمة التي عبر عنها الكثير من رؤساء الدول، وجميعهم متورطون في هذه الأزمة الإنسانية، بما في ذلك الأمين العام للأمم المتحدة والمنظمات الدولية والحقوقية.

وقال الأستاذ الجامعي والباحث في علم الاجتماع سالم مازن في تصريح لوكالة بانابريس اليوم الأربعاء "إن مشاعر الصدمة التي عبر عنها عدد من رؤساء الدول لن تخدم قضية مئات الآلاف من المهاجرين الذين يواجهون أوضاعا مأساوية في بلدانهم الأصلية أولا وفي ليبيا كدولة استقطاب وعبور وكذلك في "الألدورادو" الأوروبي على الضفة الأخرى من المتوسط".

وأضاف مازن "أن جميع الذين يتباكون اليوم بعد نشر فيديو (سي أن أن) كانوا على علم منذ خمس سنوات على الأقل بما يواجهه ليس فقط المهاجرون بل المواطنون المدنيون الليبيون على أيدي الميليشيات المسلحة ومختلف التنظيمات الإرهابية التي اختطفت ليبيا بعد انتفاضة 2011 التي أطاحت نظام العقيد معمر القذافي".

وكانت شبكة (سي أن أن) الأمريكية بثت يوم الأربعاء الماضي تحقيقا استقصائيا عن ما أسمته تجارة الرق والمعاناة التي يعيشها المهاجرون من دول أفريقيا جنوب الصحراء في ليبيا.

واعتمد التحقيق على مشاهد مصورة بطريقة سرية مدتها 20 ثانية أظهرت مهاجرين من ذوي البشرة السوداء وأصواتا تتحدث العربية عن مزايدة لبيع أشخاص لاستخدامهم كعمال أو مزارعين.

ويرى مراقبون محليون في ليبيا  أن الذين قاموا ببث فيديو بيع المهاجرين في مكان ما في ليبيا حققوا الأهداف التي رسموها ونجحوا في شيطنة ليبيا الغارقة في الفوضى والانفلات الأمني وانتشار السلاح في عموم البلاد وتعمدوا طمس الصورة الأخرى لآلاف المهاجرين الذين يقيمون ويعملون في ليبيا ويساعدون أسرهم ولا يفكرون في العبور إلى الضفة الأخرى".

ويعتقد هؤلاء المراقبون "أن المظاهرات التي خرجت في بعض العواصم الأفريقية والأوروبية للتنديد بالجرائم التي يتعرض لها المهاجرون في ليبيا لن توفر رغيف خبز واحد لمئات الآلاف من المهاجرين وأغلبهم من جنسيات أفريقية ينتشرون في كافة المدن الليبية".

وصرح عثمان المريمي(42 عاما محررعقود وناشط حقوقي) لوكالة بانابريس في طرابلس "أن مشكلة هؤلاء المهاجرين لم تبدأ في ليبيا على الاطلاق بل في دولهم الأصلية حيث تغض تلك الدول البصر عن عصابات الاتجار بالبشر المحلية مشيرا إلى وجود تقارير مؤكدة عن تورط أمنيين وعسكريين في تلك الدول مع عصابات التهريب لقاء المال".

وأضاف"قد يكون هذا الفيديو كما يقول المثل الشعبي - رُبٌ ضارة نافعة - لو تمكن المسؤولون الليبيون من إعادة ليبيا إلى واجهة الأحداث الدولية بعد أن حمل جميع الذين تدخلوا في ليبيا وأغرقوا البلاد في الفوضى حقائبهم ورحلوا".

وأكد المريمي أن أزمة هؤلاء المهاجرين تكشف بكل وضوح فشل "دول ما بعد الاستعمار" وأزمة القيادات والنخب وانتشار الفساد ونهب المال العام وضعف برامج التنمية التي تم وضعها طيلة العقود الستة الماضية للنهوض بدول القارة الأفريقية.

وأشار الناشط الحقوقي الليبي إلى "أن القارة الأفريقية تتوفر على موارد هائلة وطاقات جديدة ومتجددة وثروات منجمية واحتياطات كبيرة من النفط والغاز وموارد مائية ومساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة لكن هذه الثروات إما غير مستغلة أو منهوبة وتستغلها الشركات العالمية الاحتكارية وضرب مثلا على ذلك بنهر الكونغو الذي تضيع مياهه في المحيط ".

وينبع نهر الكونغو من جنوب شرق الكونغو الديمقراطية و يعد ثاني أطول نهر في أفريقيا بعد نهر النيل، وأولها من حيث مساحة الحوض وثاني أكبر نهر في العالم من حيث الدفق المائي بعد نهر الأمازون حيث يلقي هذا النهر ما يزيد عن ألف مليار متر مكعب من المياه في المحيط الأطلسي سنويا حتى أن المياه العذبة تمتد لتصل إلى مسافة 30 كيلو مترا داخل المحيط، وبإمكان هذا النهر لو استغل بطريقة علمية توفير مئات الآلاف من فرص العمل وضمان الأمن الغذائي للأفارقة وتغذية القارة بالكامل بالطاقة الكهربائية علاوة على مياه الري والمياه الصالحة للشرب.

وكتب رئيس تحرير صحيفة "الوسط" الليبية بشير زعبية على صفحته على فيسبوك  أنّ بعض المهاجرين، كانوا بالفعل ضحايا تجاوزات وانتهاكات لحقوق الانسان في ليبيا، وأرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى الحالة الاستثنائية التي تعيشها البلاد جرّاء غياب الدولة الذي أنتج حالة من الفوضى والانفلات الأمني وسهولة الافلات من العقاب، معتبرا أن ذلك شجع على تكرّر حدوث تلك الانتهاكات التي طالت الليبيين أنفسهم عبر جرائم الخطف والتعذيب والقتل، إلى حدّ رمي الجثث في مكبات القمامة.

ولاحظ زعبية في هذا الخصوص"أن ليس كل ما تورده شبكة (سي أن أن) أو غيرها هو حقائق مسلّم بها وغير قابلة للتشكيك، إلى أن يثبت ذلك عبر أكثر من مصدر محايد".

وأضاف "أنّ النفخ في تقرير (سي أن أن) بالطريقة التي نتابعها الآن، سيدفعنا إلى عدم استبعاد فرضية التضخيم الممنهج للضغط باتجاه خطّة توطين المهاجرين في ليبيا تحت حماية دوليّة، وهو ما طالب به مسؤولون أوروبيّون علنا، ومنهم رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان".

ويرى الصحفي الليبي أنه "لا يجب القبول بمعاملة ليبيا وكأنها الدولة المسؤولة عن ظاهرة الهجرة غير الشرعيّة ووضعها محلّ اتهام بشأن المآسي التي يتعرّض لها المهاجرون، فليبيا - بحسب رأيه - هي ضحيّة شأنها شأن من يشكو من دول الشمال، بل إنّ ليبيا تتحمل عبئا مضاعفا، فإن كانت دول الشمال هي دول مقرّ للمهاجرين، فإن ليبيا هي دولة مقرّ وممر في الوقت نفسه".

ودعا إلى ضرورة أن يتركّز الضغط على دول المصدر، مؤكدا "أن الكثير من التقارير تفيد بتورط مسؤولين في هذه الدول بتسهيل جرائم مافيا الاتجار بالبشر عبر تقديم المساعدة اللوجستيكية التي تمكن المهاجرين من الوصول إلى الحدود الليبية تحت حماية مسلّحة".

وقال "إن ليبيا هي التي تحتاج إلى مساعدة حقيقية في مواجهة أمواج الهجرة، وفي مقدمتها وفاء دول الشمال بالتزاماتها التي تعهدت بها لمساعدة دول جنوب الصحراء (المصدر) اقتصاديا وتنمويا، ومساعدة الأجهزة الأمنية الليبية ذات العلاقة، لوضع حل واقعي لقضية المهاجرين غير الشرعيين".

وتحت عنوان "فليكن التحقيق شاملا، وليفتح ملف مافيا الهجرة" كتب زعبية "أنه بدأ توظيف فيديو (سي أن أن) إلى الحد الذي بدت فيه الهجرة وكأنها اختراع ليبي وكأنّ العالم اكتشفها أمس فقط".

وقال "يتعين أن نقف ضد أي انتهاك لحقوق الانسان أيا كانت جنسيته أو دينه أو عرقه، وأن نطالب بملاحقة الفاعلين قانونيا، لكن لنتوقف أولا أمام عنصر التوقيت حيث جاء تفجير قضية المهاجرين في وقت كشفت فيه تحقيقات شارك فيها محققون أوروبيون وأمريكيون وجود روابط أكيدة لاغتيال الصحفية المالطية دافني غاليزي بتورط جهات إيطالية ومالطية بينها مسؤولون في جرائم مافيا التهريب والفساد في ليبيا فيما سمي بـ «فضيحة كبرى»، لكنّ التداول الاعلامي لهذه الفضيحة توقف فجأة، لتنشغل وسائل الاعلام الأوروبية بتقرير(سي أن أن)، والذي يأتي قبل أسبوع من انعقاد القمة الأوروبية الأفريقية التي سيكون موضوع الهجرة حاضرا فيها بقوة".

وطالب رئيس تحرير "الوسط" الليبية أن يكون التحقيق بشأن ما ورد في تقرير (سي أن أن) شاملا، وليشارك فيه محققون دوليون، ويبدأ بالاستماع إلى عشرات وربما مئات المهاجرين ومنهم أسر كاملة ليبينوا كيف تمكنوا من الوصول إلى ليبيا ومن ساعدهم في ذلك".

ودعا زعبية المسؤولين الليبيين إلى رفض مساعي الآخرين لوضع ليبيا موضع المتهم الذي يدافع عن جرم غير مسؤولة عنه، خاصة وأن ليبيا والليبيين أنفسهم ضحايا الهجرة غير الشرعية، إذ انتهكت حدودهم واستخدمت بلادهم من قبل المافيات الدولية سوقا للتهريب والاتجار بالبشر، وصارت أرضهم ممرا ومقرا لمئات الآلاف من المهاجرين، وكذلك رفض محاولة تنصل دول المصدر من مسؤولية إجبار رعاياها على الهجرة وتحمل تبعاتها المأساوية، بسبب ما يعانوه في بلدانهم من بطالة وبؤس وإحباط، وعدم قدرة حكوماتهم على توفير فرص حياة كريمة لهم، وعدم القبول بتصدير أزمات الأنظمة التي تحكمهم إلى بلادنا، فلدينا ما يكفي".

وقال "إن رئيس النيجر محمد يوسوفو، الذي صرّح بأنه أصيب بصدمة، لدى اطلاعه على تقرير شبكة (سي أن أن) ، وطالب بإدراج موضوع «بيع المهاجرين مثل العبيد بالمزاد العلني في ليبيا» على حد زعمه، في جدول أعمال قمة الاتحاد الافريقي والاتحاد الاوروبي القادمة، هناك معلومات تدين سلطاته بالتورط مع (مافيا) الهجرة غير الشرعية بتوفير حماية أفواج المهاجرين من النيجر وتأمين وصولهم إلى المنافذ الليبيّة".

لقد وقع الضرر بالفعل من خلال الـ 20 ثانية التي تم تصويرها بصورة رديئة بواسطة جهاز هاتف رقمي لعملية بيع بالمزاد وإن كانت مفبركة أو غير صحيحة لشاب من ذوي البشرة السمراء وعلقت تلك الصورة بأذهان الملايين عبر العالم بعد تسريب الفيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي غير أن هذا الضرر قد ينقلب - بحسب محللين ليبيين - إلى ضده إذا ما استطاعت السلطات الليبية أن تتحد وتتوجه إلى المجتمع الدولي بسؤال بسيط : ماذا يجب أن نعمل بعيدا عن مشاعر الصدمة ومناديل مسح الدموع والتنديد والمظاهرات والنفخ الاعلامي وتقاذف كرة الاتهام بين مختلف العواصم؟

-0- بانا/ ع د/ 22 نوفمبر 2017

22 نوفمبر 2017 14:53:52


xhtml CSS